• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

المالكي والانتخابات .. دعوة للتغيير السلمي للسلطة

المالكي والانتخابات .. دعوة للتغيير السلمي للسلطة

  • أمس, 21:08
  • مقالات
  • 26 مشاهدة
ناجي الغزي

"Today News": بغداد 

يطرح السيد نوري المالكي في تصريحاته المتكررة، رؤية سياسية واضحة تقوم على اعتبار *الانتخابات السبيل الأوحد للتغيير السلمي والسلس للسلطة*، مؤكداً أنها ليست مجرد آلية إجرائية، بل هي تعبير عن *فلسفة شاملة في الحكم والإدارة والسيادة الشعبية*.  هذا الطرح، وإن بدا في ظاهره تأكيداً لمبدأ ديمقراطي بديهي، إلا أنه في السياق العراقي – بتاريخه المعقّد وتجربته السياسية ما بعد 2003 – يحمل أبعاداً أكثر عمقاً، تتعلق بمفاهيم الشرعية، وتوازن السلطة، وبنية الدولة.

*الانتخابات كمنهج لا مجرد وسيلة*

من خلال تأكيده على أن "زمن الانقلابات والمؤامرات قد ولى"، يُعيد المالكي تأطير العملية السياسية بوصفها *تحولاً جوهرياً في ثقافة الحكم*، وليس مجرد تبديل في الوجوه أو المواقع. إنه يحاول، في خطابه، الانتقال بالوعي السياسي الجمعي من مرحلة الإرادة المفروضة أو المصادرة، إلى مرحلة الإرادة الحرة عبر صناديق الاقتراع، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الشعب.
هذا التصور لا يُقدِّم الانتخابات كأداة لتداول السلطة فقط، بل يربطها بمشروعية النظام ذاته، إذ "لا شرعية لنظام لا يعكس إرادة ناخبيه"، وهو بهذا يضرب على وتر حساس في دولة لم تزل تعاني من *تذبذب الثقة بين المواطن والنظام السياسي* بفعل ما راكمته السنوات من إخفاقات وتحديات.

*جدلية الحق والواجب*

يعمد المالكي إلى ربط المشاركة في الانتخابات بثنائية "*الحق والواجب*"، حيث لا يكتفي بوصفها حقاً مكفولاً لكل مواطن، بل يحمّلها بُعداً أخلاقياً ووطنياً. فالمشاركة – في تصوره – *ليست خياراً حراً فقط، بل مسؤولية وطنية تمس حاضر الدولة ومستقبلها*.  هذا الخطاب الأخلاقي يسعى إلى تعبئة الجماهير نحو الفعل الانتخابي، ليس بدافع المصلحة الشخصية، بل بدافع الواجب الجمعي.
وفي هذا الإطار، يبدو المالكي وكأنه يواجه – بشكل غير مباشر – معضلة *العزوف الشعبي عن الانتخابات*، والذي بات ظاهرة واضحة في بعض الدورات الأخيرة، ما يعكس أزمة ثقة عميقة في فعالية التصويت وقدرته على التغيير الحقيقي. من هنا، تأتي دعوته لتحويل الانتخاب من مجرد ممارسة دورية إلى فعل وطني ذي بُعد مصيري.

*بين المثال والواقع*

رغم أن خطاب المالكي يحتفي بالانتخابات كوسيلة حضارية للتغيير، إلا أن *الواقع الانتخابي العراقي لا يخلو من الشوائب والتحديات*:  كالتزوير والنفوذ السياسي، واستغلال المال العام، وضعف الأجهزة الرقابية، وغيرها من الظواهر التي تهدد جوهر العملية الديمقراطية.
لكن اللافت في خطابه هو *إغفال المواجهة المباشرة لهذه التحديات*، أو على الأقل عدم إفراد مساحة كافية للحديث عنها بوضوح. فهو يُركّز على البُعد النظري والأخلاقي للعملية الانتخابية، ويُعلي من قيمتها الرمزية، دون أن يغوص بعمق في *آليات تحقيق النزاهة وضمان الشفافية*، وهي النقطة التي تُعد مفصلية في تقييم أي تجربة ديمقراطية.

*منطق الشرعية والاستقرار*

يقدّم المالكي الانتخابات كـ"*ضمانة للاستقرار السياسي*"، في معادلة تبدو منطقية على السطح، لكنها مشروطة في العمق. فالاستقرار السياسي لا يأتي من مجرد إجراء انتخابات، بل من *اقتناع الجمهور بنزاهتها وتمثيلها الحقيقي لإرادته*.  وإذا اختل أحد أطراف هذه المعادلة، فإن الانتخابات قد تتحول إلى وقود للفوضى بدلاً من أن تكون جسراً للاستقرار.
في هذا السياق، تبدو تصريحات المالكي كجزء من *جهد سياسي لتكريس منطق الشرعية الانتخابية مقابل نزع الشرعية عن أي حراك غير مؤسسي*. وبهذا ف إنه يؤسس لنموذج ديمقراطي يرفض العنف السياسي، ويستبدله بحوار ديمقراطي يقوم على التنافس المشروع، لا على الصراع المدمر.

*الخطاب الانتخابي في مشروع بناء الدولة*

من خلال قراءته للانتخابات كمدخل للحكم الرشيد، يطرح المالكي تصوراً للدولة التي تُبنى على أساس *الشرعية الشعبية والمؤسسات المنتخبة*، لا على القهر أو الاحتكار. وهو بذلك يُعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة، من كونها علاقة تسلطية إلى علاقة تشاركية، يكون فيها المواطن فاعلاً لا مُتلقّياً، مشاركاً لا تابعاً.
إلا أن نجاح هذا المشروع يظل مرهوناً بتوافر *بيئة سياسية وقانونية قادرة على حماية صوت الناخب، ومؤسسات انتخابية مستقلة بحق، وثقافة مجتمعية تؤمن بالتداول السلمي للسلطة.*

*قراءة تقييمة*: تصريحات السيد نوري المالكي حول الانتخابات لا يمكن قراءتها فقط كخطاب سياسي عابر، بل هي *انعكاس لرؤية استراتيجية تحاول ترسيخ الديمقراطية كقيمة وثقافة وممارسة*.  وهي دعوة إلى استبدال "منطق الغلبة" بمنطق "الاختيار"، واستبدال "الشرعية المفروضة" بـ"الشرعية المستمدة من الشعب".
لكن بين التنظير والممارسة، تبقى هناك مسافة لا بد أن تُملأ بالإصلاح، والتشريعات، وبناء الثقة، والعمل على تجاوز ما شاب التجربة الانتخابية العراقية من إخفاقات. عندها فقط، يمكن للانتخابات أن تتحول من استحقاق دوري إلى *رافعة حقيقية لإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية صلبة*، ويكون التصويت فيها ليس مجرد واجب وطني، بل *فعلاً وجودياً يرسم ملامح المستقبل بيد المواطن نفسه*.

أخر الأخبار